أحمد بن محمد مسكويه الرازي
159
تجارب الأمم
فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين ، ووجّه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفرس . فاجتمع رأى العظماء وأهل البيوتات على إنفاذ حواى [ 1 ] على تأدية رسالة - وحواى هذا صاحب رسائل يزدجرد - إلى المنذر ويستكفونه أمر النعمان ابنه ، ويخوّفونه من عقبى جنايته عليه . فلمّا ورد حواى على المنذر قال له : « الق الملك بهرام . » [ 148 ] ووجّه معه من يوصله إليه . فلمّا دخل عليه راعه منظر بهرام وما رأى من وسامته . فكلَّمه بهرام ووعده ومنّاه وردّه إلى المنذر ، ورسم له أن يجيب عمّا كتب إليه . فقال المنذر لحواى : « قد تدبّرت ما جئتني به ، وقرأت الكتاب ولست صاحب النعمان ، وإنّما صاحبه الملك بهرام ، وهو الذي وجّهه إلى ناحيتكم ، ورسم له ما هو لا محالة متمثّلة ، لأنّ الملك صار له بعد أبيه ، ولا حظَّ لغيره فيه . » فلمّا سمع حواى مقالته ، وتذكّر ما عاين من بهاء بهرام وروائه [ 2 ] وحسن كلامه ، علم أنّ جميع من يشاور في صرف الملك عنه مخصوم [ 3 ] محجوج . فقال للمنذر : - « إني لست محيرا [ 4 ] جوابا ، ولكن سر - إن رأيت - إلى محلَّة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات ، وأت في الأمر ما يجمل ، فانّهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به . » فردّ المنذر حواى ، واستعدّ وسار بعده بيوم مع بهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب [ 149 ] وذوى البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك . فلمّا
--> [ 1 ] . حوابى ، في الطبري : جوانى ، جوابي ، حواني ( 2 : 859 ) . [ 2 ] . الرواء : حسن المنظر . [ 3 ] . المخصوم : المغلوب في الخصومة ، والمحجوج : المغلوب في الحجة . [ 4 ] . أحار الجواب : ردّه ، ومنه : لم يحر جوابا .